تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي

انشيء في : 2011-11-29 8:47:07
A+ | استعادة | A-



إذا قال قائل: «الشيخ الأكبر» ولم يُسُمّ.، انصرف الذهن على الفور إلى المتصوف الكبير محيي الدين بن عربي صاحب «الفتوحات المكية» وسواها من الكتب التي لا تزال تُقرأ وتُشرح الى اليوم. وما من صوفي آخر غيره حمل هذا اللقب، وهذا يعني علوّ شأنه في جماعة المتصوفة، ولكن الآراء تختلف حوله.
فمن مادح له أعظم المدح، ربّ قادح له بلا حدود، ولكن المادحين يرون ان مشكلة ابن عربي مع خصومه، أو أعدائه، تتلخص بعدم فهمهم لما كتبه. وهنا تتكرر المساجلة القديمة حين قاطع سامع شاعرا يلقي قصيدته فقال له:
ل.مَ لا تقول ما يُفهم؟ ويردّ الشاعر على الفور: ول.مَ لا تفهم ما يقال؟
ويبدو ان ابن عربي نفسه أدرك ان لغته الصوفية، وربما لغة المتصوفة بشكل عام، تشكو في أحيان كثيرة من الإبهام والغموض، وأنها بحاجة إلى إيضاح وتبيين، فحاول ان يوضح ويبين، موفقاً حيناً وغير موفق حيناً آخر. وهذا ما دفع بمؤلف هذا الكتاب، سعيد هارون عاشور، الى شرح آخر للشروح التي كان بن عربي قد لجأ إليها لتوضيح مصطلحاته ومصطلحات رفاقه المتصوفة الآخرين. وكتاب عاشور هذا هو عبارة عن شرح لمائة وواحد وتسعين مصطلحاً صوفياً تشكل العمود الفقري، ان صح التعبير، لحركة التصوف الإسلامي التي تعتبر بلا جدال أحد الروافد الأساسية للحركة الروحية في الإسلام.
المريد
من هذه المصطلحات مصطلح «المريد»، وهو من أشهر مصطلحاتهم، ويعرفه ابن عربي: «بالمتجرد بإرادته عن ارادته، وقال ابو حامد الغزالي: هو الذي فُتح له باب الاسماء، ودخل في جملة المتوصلين الى الله بالاسم».
ويشرح المؤلف مقاصد ابن عربي من هذا التعريف على النحو التالي: المريد هو من تحرّر بإرادته عن مرادات نفسه وهواها، وأقبل بكليته الى وجهته العليا في الحق، ذاكرا له، لا يشغل نفسه بسواه، ومن اعطي الذكر فقد اعطي نشور الولاية.
ويعرّف ابن عربي المريد في فتوحاته فيقول: «المريد من انقطع الى الله عن نظر واستبصار، وتحرّر عن ارادته اذ علم انه ما يقع في الوجود الا ما يريده الله تعالى، لا ما يريده غيره، فيمحو ارادته في ارادته، فلا يريد إلا ما يريده الحق».
وقال ابو حامد الغزالي حجة الاسلام: «المريد الذي صحّت له الاسماء، بمعنى ان تنطلق ارادته بالحق، فيصح له الانتقال في سيرة في الله تعالى من تجلٍّ الى تجلٍّ، ومن اسم الى اسم».
معنى التصوف
ويقف المؤلف وقفة مطولة عند بعض الاصطلاحات منها اصطلاح التصوف نفسه، فما هو التصوف يا ترى في عرف اهله؟
يقول ابن عربي: «التصوف هو الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا، وهي الاخلاق الإلهية، وقد يقال بإزاء إتيان المكارم للأخلاق وتجنب سفاسفها لتجلي الصفات الإلهية: وعندنا: الاتصاف بأخلاق العبودية، وهو الصحيح، فإنه اتمّ».
ويشرح المؤلف: التحلي بالآداب الشرعية ظاهرا، فيسري حكمها من الظاهر في الباطن، والتخلق بالاخلاق الإلهية باطنا، فيسري حكمها من الباطن في الظاهر، فيحصل بالحكمين كمال المريد.
وقال ظالم بن محمد السائح: «أصل هذا الأمر ثلاثة أشياء: السكون الى الله، وقلة الغذاء، والهروب من الخلق».
وقال أبو الحسن البوشنجي (توفي 347 هــ): التصوف فراغ القلب، وخلاء اليدين، وقلة المبالاة بالأشكال، فأما فراغ القلب ففي قوله تعالى: «للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم»، وخلو اليدين لقوله تعالى: «الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار وسراً وعلانية»، وقلة المبالاة في قوله تعالى: «ولا يخافون لومة لائم».
وقال محمد بن جعفر الكتاني (توفي 322 هـ): «التصوف خُلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف».
وقال أبو القاسم النصرا باذي (توفي 367 هـ): «التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ، والملازمة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات».
وقال ابو عمرو الدمشقي (توفي 320 هـ): «التصوف رؤية الكون بعين النقص، بل غض الطرف عن كل ناقص بمشاهدة من تنزه من كل نقص».
وقال أبو العباس أحمد الرفاعي (توفي 578 هـ)، وقد سئُل عن التصوف فقال للسائل: «تصوفكم انتم فهو ان تصفي اسرارك، وتطيب أخبارك، وتطيع جبارك، وتقوم ليلك، وتصوم نهارك»، اما تصوف القوم فكما قيل:
ليس التصوف بالخرق
من قال هذا قد ترق
ان التصوف يا فتى
حرق يمازجها قلق!
المقام على التمام
فاذا انتقلنا الى مصطلحات صوفية أخرى عثرنا على كنوز من المعاني والقيم الروحية، ولعل «المقام» من أشهر هذه المصطلحات الصوفية، ويعرفه ابن عربي كما يلي: «المقام عبارة عن استيفاء حقوق المراسم على التمام»، اما المؤلف فيرى ان المقام هو مقام العبد بين يدي الله تعالى في العبادات وسائر الطاعات التي قام بها العبد على وجه التمام، أي باستيفاء حقوق المراسم الشرعية.
وهو صفة من صفات الكمال في نفس المريد، حتى تحقق بهذه الصفة تماماً، صارت هذه الصفة ملكة فيه، لا حالاً يذهب ويجيء، فمثلاً لو تحقق المريد بصفة القناعة، سمي ذلك بمقام القناعة لاقامته فيه، وبعدها قد يرتقي لمقام أعلى وهو التوكل، ولو تم للعبد التحقق بالتوكل يرتقي بعده الى مقام التسليم، وهكذا..
وليس ارتقاء السالك من مقام الى مقام اعلى، يعني انه استوفى المقام الاسبق استيفاء تاماً، بل تبقى فيه بقية يستدركها وهو في المقام الأعلى.
«شطح» الصوفية
ومن أشهر مصطلحات الصوفية مصطلح شطح، ويعرفه ابن عربي كما يلي: «الشطح عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى، وهي نادرة ان توجد من المحققين».
اما المؤلف فيضيف: «الشطح عبارة ينطق بها اللسان،
وظاهرها يخالف الشريعة، تصدر من قلب عامر بالحب - والكأس تفيض عند امتلائها- وينطق بها صاحبها وهو في حال غيبة وسكر بالمحبة، وحكمه في ذلك حكم من اصيب باغماء، او من زال عقله!
ويصف ابن عربي كلمات الشطح بان عليها رائحة رعونة، (والرعونة هي: الوقوف مع حظوظ النفس ومقتضي طباعها). ويضيف: «ودعوى»، وهي ايضا من حظوظ النفس، ويقول ايضا: وهي نادرة ان توجد من المحققين، فقد تصدر عن مستلب (اي مجذوب) محفوظ.
وسئل بعض الشيوخ عن الحلاج، فقال: كان الحلاج رجلا صالح الحال، ولكن غلب عليه الوجد والحال حتى عبر في المقال، ولم يدر ما قال. وكلام السكران يطوى ولا يروى. وقال الطوسي: وقد فسر الجنيد، رحمه الله، شطحات ابي يزيد، ولو كان ابو يزيد، رحمه الله، في ذلك معلولا (اي مخطئا) ما فسرها.
وقال الشيوخ: لا يفهم عنك الا من كان حاله مثل حالك او فوقه. ولذا كان ترك الاعتراض مع تغليب حسن الظن وحل اشكالية عبارة الشطح بحسن التأويل، غالبا ما يكون سبيل الصواب.
مصطلحات طريفة
ومن اطرف المصطلحات التي يعرض لها الكتاب مصطلح السكر ويعرفه ابن عربي كما يلي: «هو غيبة بوارد قوي»!
ويضيف المؤلف: السكر غيبة بوارد قوي، وهو يعطي الطرب والالتذاذ، وهو أقوى من الغيبة وأتم منها إذا كان سكرا تاما. والسكر لا يكون ــ كما يرى القشيري ــ إلا لاصحاب المواجد، فإذا كوشف العبد بنعت الجمال حصل السكر، وطابت الروح، وهام القلب، وسقط بين ما يؤلمه وما يلذّه. وكانت بداية أبي حفص الحدّاد (ت 270 هــ) أن غاب في وارد استولى على قلبه، فأدخل يده في الفرن وأمسك الحديد المحّمى بيده وأخذ يطرقه. ولم يحسّ بشيء حتى نبّهه صبيّه!
وقيل: كل حال لا يحدث طربا وبسطا وإدلالا أو أنشأ أسرارا إلهية، فليس بسكر، بل هو غيبة أو فناء أو محو أو نحو ذلك!
هذه هي بعض مصطلحات الصوفية كما يشرحها ابن عربي ومؤلف هذا الكتاب. ويبقى أن في «الفتوحات المكية» ما يُعقل وما لا يُعقل، وما يُنكر وما لا يُنكر، وما يُعرف وما لا يُعرف، كما يقول ابن كثير. ويضيف ابن جبير عن كتاب آخر لابن عربي اسمه «فصوص الحكم»: فيه أشياء ظاهرها كفر صريح، وبجميع ما يقوله مشاكل. ومن أطرف عناوين كتب الإمام السويطي كتاب له عنوانه: «تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي». رحم الله ابن عربي وأنعم علينا بنور الفهم وأخرجنا من ظلمات الوهم!

القبس





الرابط المختصر :

Twitter Facebook MySpace Digg Delicious
ملاحظة:لايسمح بالتعليق بعد مرور48 ساعة على نشر المحتوى